التقليد الأقدم والأغنى في التعبير عبر القماش، والقَصّة، والنيّة. ولماذا يعود إليه جيل جديد.
بقلم: محرّرو "تفصيل" · 7 دقائق قراءة
ثمّة جملةٌ نظّمت صناعة الموضة الحديثة بأكملها لنحو قرنٍ من الزمان. تقول هذه الجملة إن التعبير عن الذات شيءٌ يُمارَس بالبشرة. أن تُعبّري عن نفسكِ هو أن تكشفي عنها. وأن تكشفي أقل، يعني أن تُعبّري أقل.
تتكرّر هذه الجملة بكثرة، في تحرير مجلّات الموضة، وفي الإعلانات، وفي اللغة اليومية التي نمتدح بها لباس المرأة، حتى أنها صارت غير مرئية. لكنها أيضاً، إذا نظرتِ بعينٍ متأنّية، غير صحيحة.
التقليد الأقدم في التعبير عبر القماش
أكثر الخزائن تعبيراً في تاريخ البشرية لم تكن تتطلّب الكشف. الكيمونو الياباني، المصنوع من قطعة قماشٍ مستطيلةٍ واحدة، كان يحمل مفرداتٍ كاملة من الفصول والمكانة والمزاج والنيّة، عبر طريقة ربط الـ"أوبي"، واختيار النقش على الظهر، والألوان المتراصّة عند الياقة. القفاطين في دمشق وحلب حملت أجيالاً من التطريز، لكلّ منطقةٍ لهجتها الخاصة في خيوط الذهب. الثوب اليمني تكلّم عن العائلة، والقبيلة، والمناسبة، حتى عن القرية التي جاءت منها المرأة، وكلّ ذلك بالصبغة والغرزة وهندسة القَصّة. أمّا "النيو لوك" الذي قدّمه كريستيان ديور عام 1947، فقد غطّى الجسد أكثر ممّا فعلت الموضة في عقود. جعل الأكتاف ناعمة، والخصر عميقاً، والذيل طويلاً. ومع ذلك، كان بأيّ مقياس، أكثر لحظةٍ تعبيريةٍ في موضة القرن العشرين الغربية.
لم تطلب أيٌّ من هذه الخزائن من المرأة أن تكشف عن البشرة لكي تُرى.
كيف ضاقت مفردات الموضة
كانت لصناعة الموضة الحديثة مصلحةٌ خاصة في إقناع المرأة بأن الكشف هو التعبير. ثمّة سببٌ تجاريّ لذلك. صناعةٌ مبنيّة على دورة الكشف تحتاج إلى أشياء جديدة تكشفها. ياقةٌ جديدة، شقٌّ جديد، فتحةٌ جديدة. على كشف كلّ موسمٍ أن يتفوّق على ما قبله. ينجح هذا كنموذجٍ تجاري، لكنه ينجح عبر اختزال مفرداتٍ عمرها ألف عام إلى قناةٍ واحدة.
حين لا تتكلّم صناعة الموضة سوى بلغة البشرة، تفقد قدرتها على قراءة القماش.
ما الذي تقوله الخزانة المحافظة حقاً
انتبهي إلى امرأةٍ بعباءةٍ مفصّلةٍ جيداً، وستقرئينها. ثقل القماش يخبركِ بشيء. اللون يخبركِ بشيءٍ آخر. الطريقة التي ينكسر بها الكُمّ عند المعصم، وما إذا كانت الحاشية مبطّنة بالحرير، واختيار طرفٍ بلونٍ متضاد، وزاوية لفّ اللفحة، والبروش الذي اختارته للكتف، والطريقة التي يتحرّك بها التكوين كلّه حين تمشي. لا نقص في الإشارات هنا. بل ثمّة إشاراتٌ أكثر ممّا يستطيع لباسٌ أقلّ تغطيةً أن يحملها، لأن كلّ سنتيمترٍ من القماش يقوم بعملٍ تعبيري.
الكشف لغةٌ واحدة. الخزانة المحافظة تتكلّم عدّة لغاتٍ في وقتٍ واحد.
الخزانة المحافظة ليست خزانةً صامتة. هي خزانةٌ متعدّدة الأصوات. والسبب الذي يجعلها قابلةً لأن تُقرأ خطأً على أنها هادئة، هو أن العين الحديثة، المتدرّبة على قرنٍ من البشرة بوصفها بياناً، فقدت بعض المعرفة اللازمة لتسمع ما يقوله القماش.
لماذا يعود اللباس المحافظ إلى لحظته
نعيش تصحيحاً هادئاً. بعد عقودٍ من حلزون الكشف في الموضة، يتّجه جيلٌ من النساء، بينهنّ كثيراتٌ بلا سببٍ دينيّ أو ثقافيّ للّباس المحافظ، نحو التغطية من جديد. يسمّينه أسماءً مختلفة: الترف الهادئ، أناقة الثروة العتيقة، الأناقة الناعمة، الموضة البطيئة. لكنّ الحدس الكامن واحد. سئمن من أن يُطلب منهنّ التعبير عن أنفسهنّ فقط من خلال ما ينزعنه. يُردن التعبير عن أنفسهنّ من خلال ما يخترنه، ويصفّفنه طبقةً فوق طبقة، ويسدلنه، ويحتفظن به.
النساء اللواتي كنّ يلبسن المحافظ طوال هذا الوقت، لم يكنّ منسحباتٍ من التعبير عن الذات. كنّ يمارسن شكلاً مختلفاً، وأقدم، وأغنى بكثير، منه. وبقيّة العالم تلحق بهنّ الآن.
الدفاع، باختصار
هذا هو الدفاع الذي بُنيت "مزيانا" حوله. لا نعتبر اللباس المحافظ قيداً على الأناقة، ولا نعتبر التعبير عن الذات شيئاً ينتهي حيث يبدأ القماش. نعتقد أن أكثر ما يمكن للمرأة أن ترتديه تعبيراً، هو القطعة التي تقول بالضبط ما تريد لها أن تقوله، على شروطها، وبلغتها هي. أحياناً تكون تلك القطعة عاليةَ الصوت. وغالباً تكون هادئة. ودائماً، هي قطعتها.
التعبير عن الذات ليس في الكشف. لم يكن كذلك يوماً. صناعة الموضة فقط نسيت.





